في دراسة موجهة لوزارة التنمية الاجتماعية:

د. عبد الله الخطيب يقترح أسس قانون جديد عصري للمنظمات الأهلية

سجل رئيس الاتحاد العام للجمعيات الخيرية د. عبد الله الخطيب تحفظاته الواضحة على التعديلات المقترحة على قانون الجمعيات والهيئات الاجتماعية والتي كانت صحيفة (العرب اليوم) قد نشرت نصها في أوائل حزيران الماضي. وفي دراسة أعدها الخطيب وأرسلها إلى وزارة التنمية الاجتماعية، بين رئيس الاتحاد العام تحفظاته على المشروع الذي اعدته وزارة التنمية الاجتماعية (في عهد الحكومة السابقة) واقتراحاته البديلة لتحديث القانون بما يتناسب مع التطور الكبير الذي وقع على عمل الجمعيات الخيرية وفلسفة وجودها.

وحدد الخطيب أسس دراسته ضمن ثلاثة أبعاد:

1- البعد الدولي لطبيعة التشريعات التي تحكم المنظمات الأهلية وموقف المواثيق الدولية والبنك الدولي من هذه التشريعات.

2- التوجه العربي لاعتماد المبادئ والمعايير بشأن حق وحرية الجمعيات في العالم العربي.

3- دراسة تمحيصية لمشروع القانون المعدل والذي جاء في العديد من مواده لا يتفق مع تطلعات هذا القطاع في وضع تشريع يتفق مع ما ذهبت إليه المواثيق الدولية والإعلان العربي ويراعي خصوصية الأردن.

وأضاف الخطيب بأن الاتحاد العام للجمعيات الخيرية سيقوم بتنظيم حلقة دراسية حول الموضوع يدعى لها نشطاء العمل الاجتماعي التطوعي والمنظمات الأهلية الأردنية والجمعيات العربية المهتمة بهذا الشأن بالإضافة إلى عدد من رجال الفكر وقادة الرأي العام المعنيين بعمل هذا القطاع.

البعد الحداثي للتشريعات المدنية

بدأت الدراسة بالتوضيح أن المطلوب في هذه المرحلة هو قانون شامل يحكم أعمال المنظمات الأهلية وليس تعديلاً للقانون الحالي على أن يعكس التشريع الجديد الرؤية المتكاملة للمنظمات الأهلية ضمن المجتمع المدني عن طريق وضع قانون ينظم عملها. فالقانون الحالي الذي ينحصر تشريعه بمفهوم الجمعيات الخيرية التقليدي بات غير قادر على تنظيم نشاطات المجتمع المدني ككل.

وأشار الخطيب في دراسته إلى المعايير الدولية التي تحكم عمل منظمات المجتمع المدني المبنية على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإنسان، والتي أشارت إلى أن هناك قاعدتين رئيسيتين لا بد من توافرهما في التشريعات التي تحكم عمل المنظمات الأهلية:

1- الاستقلالية المطلقة وحرية الحركة لتأمين عنصر الديناميكية في التعامل مع أهدافها والتي حددها القائمون عليها.

2- الشفافية المطلقة وخاصة المالية وذلك لتعزيز الثقة لتلك المؤسسات من قبل المانحين والمنتفعين على حد سواء وتأمين الحد الأعلى من مشاركة مؤسسات المجتمع المدني.

وحول التعديل الجديد الذي طرحته الوزارة، أشار الخطيب إلى أن هذا التعديل لا يمس جوهر الواقع الذي تعيشه المنظمات الأهلية كما أنه لا يستقيم مع طبيعة الأمور في المجال الاجتماعي التطوعي. فضلاً عن أن التعديل الجديد زاد من تعقيد الأمور المتعلقة بمفهوم الجمعيات الخيرية وألغى المرجعية الأساسية لإطار عمل الجمعيات الخيرية عن طريق عدم وجود تعريف للجمعية الخيرية في القانون يتضمن امتدادات عمل الجمعيات التخصصية من طبية وصحية وتربوية وتعليمية وثقافية وبيئية. ويشير الخطيب أيضاً أن التعديلات الأخيرة قد أصبحت تمثل وجهة النظر الرسمية بدون مشاركة القطاع الأهلي وتتعارض مع التوجهات العصرية التي تعطي المنظمات الأهلية حيزاً من حرية العمل المسؤولة ضمن قواعد الشفافية والمساءلة. وقد جاءت هذه التعديلات على عكس ما هو مطلوب ولا تتفق مع التوجهات التشريعية الحديثة التي بات التعامل ضمن أطرها معروفاً عالمياً. وأن المطلوب حسب رأي الاتحاد العام للجمعيات الخيرية ليس تعديلاً لمواد القانون الحالي بقدر ما هو اصدار قانون جديد ينطلق من الأدبيات العالمية مع المحافظة على الخصوصية الأردنية لمنظمات المجتمع المدني ولا يقتصر على الجمعيات الخيرية والتي هي جزء من كل.

وأضاف الخطيب أن صياغة هذا القانون يجب أن يتم التعامل معه في جو من الانفتاح والمشاركة ما يبن المؤسسة الرسمية ومنظمات المجتمع المدني صاحبة المصلحة الرئيسية في تشريع يسهم في تسهيل مهمتها لتحقيق الغاية المرجوة من التشريع، وبالتالي لا بد من تشكيل لجنة مشتركة من كافة القطاعات الرسمية والأهلية والتي لها اهتمامات بهذا الشأن.

كما أن مثل هذا التشريع يجب أن ينطلق من الاتفاق مع إعلان المبادئ والمعايير بشأن حق وحرية الجمعيات في العالم، وينطلق من مبدأ حرية الجمعيات وحدود تنظيمها وتأسيسها وأنظمتها الأساسية وإدارة أعمالها ومصادر تمويلها والرقابة عليها والمخالفات والحل وبشكل شمولي يتسم بالشفافية والمساءلة وبدون تجاوز أية جهة على الأخرى. ويؤكد الخطيب في دراسته على أنه يجب النظر إلى منظمات المجتمع المدني على أنها تنظيمات هادفة إلى دعم المؤسسات الرسمية في تحقيق السلام الاجتماعي وأن هذه التنظيمات ليست دخيلة ولا معادية.

ملاحظات إجرائية محددة

 

وحول بعض القضايا الخاصة ببنود مشروع القانون المعدل أشار الخطيب إلى ما يلي:

1- ضرورة الخروج من أزمة الحديث عن قانون الجمعيات الخيرية إلى الحديث عن قانون المنظمات الأهلية أو الجمعيات والمؤسسات الأهلية حيث تعرف الجمعية أو المؤسسة الأهلية بأنها: (كل جماعة ذات تنظيم مستمر لمدة معينة أو غير معينة تتألف من أشخاص طبيعيين أو أشخاص اعتباريين أو منهما معاً لا يقل عددهم عن سبعة أشخاص وذلك لغرض غير الحصول على الربح المادي)، ويشمل ذلك كل أنواع المؤسسات أو الجمعيات التي يتم حالياً تسجيلها في كل وزارات الدولة.

2- إذا ما تم الاتفاق على هذا التوجه فإن المادة الأولى من مشروع التعديل والخاصة باسم القانون والقانون نفسه يصبح لاغياً، ومن هنا فإنه ليس من المفهوم ولا من المقبول أن يتم إناطة موضوع التسجيل بما يسمى باللجنة الموحدة والممثلة للوزارات والدوائر الرسمية ذات العلاقة المختصة بالنظر في طلبات التسجيل للجمعيات والهيئات والاتحادات والمؤسسات الخيرية، فالأمور لا يمكن إناطتها بلجنة مركزها وزارة بعينها مع أن الأمور ممتدة لوزارات متعددة.

3- إن المدقق في تعريف الجمعية الخيرية والهيئة الاجتماعية يدرك بأنه ليس هناك بالتأكيد ما يفرقهما. والسؤال المطروح هنا: لماذا يزداد العدد إلى 52 عضواً؟ علماً بأن هناك إمكانية لقيام فرد واحد بإقامة مؤسسة؟ وكيف يمكن ضمن هذا التعريف وصف الجمعية أو الهيئة بأنها لا تعمل على الإخلال بالتضامن الاجتماعي ودون تحيز أو تعصب أو تميز؟ وإذا ما ترك هذا الموضوع ضمن هذا المفهوم فإن التوجه إلى إقامة جمعية باسم أبناء الجنوب أو أبناء الشمال أو الخليل الخيرية أو القدس يعد مخالفاً للقانون.

4- وعندما نأتي على تعريف الجمعية العادية أو الهيئة العادية فالسؤال المطروح: هل يمكن ان يندرج هذا النوع من الجمعيات تحت عنوان (قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الاجتماعية)؟ والأمر هنا في منتهى الوضوح، إذ أن هذا الموضوع لا يقع ضمن نطاق هذا القانون وأن البديل هو قانون المنظمات أو الجمعيات الأهلية والتي يدخل ضمنها هذا النوع من الجمعيات.

5-  في الوقت الذي ذهب مشروع القانون إلى عدم جواز تأليف الجمعيات الخيرية إلا بقرار من الوزير أو الوزير المختص فان التوجهات التي تتماشى مع الشرعية الدولية تكتفي بحق المؤسسين في إشهار الجمعية وإبلاغ الجهة الإدارية التي يتوجب عليها التأكد من انطباق المعايير التي وضعها القانون على الطلب ومن ثم تسجيله. هذا وليس من المقبول ورود نص بعدم جواز فتح فروع للجمعيات متعددة الأهداف، فهذا قيد غير مبرر ويتعارض بالتمام والكمال مع حق الجمعية في القيام بعملها في المناطق التي تحتاج إلى خدماتها. وإذا كان مطلوباً من الجمعيات أن توفق أوضاعها مع هذا التعديل، فماذا سيكون مصير فروع الجمعيات متعددة الأهداف؟

6-  لماذا يبقى الشرط المتعلق بعدم جواز انضمام الجمعية أو الاتحاد إلى جمعية أو هيئة أو اتحاد أو ناد مقره خارج المملكة إلا بقرار من مجلس الوزراء؟ وهل هذا ضروري في عصر العولمة وعصر الشبكات العاملة في مجال التنمية، طالما أن القانون قد أعطى الجهة الإدارية المعنية التعرف على أبعاد عمل الجمعيات على كافة المستويات الداخلية والخارجية؟

7-  لم يقل لنا المشرع مبرر إيراد الفقرة 6 من المادة 9 بشأن عدم جواز مشاركة الجمعية أو الاتحاد في أي مؤتمر أو اجتماع خارج المملكة إلا بموافقة مسبقة من الوزير المختص. وتبدو هذه الفقرة مقحمة وليس لها شبيه في التعامل مع المنظمات غير الحكومية في الأردن سواء كانت نقابات أو اتحادات أو غرف تجارية أو صناعية أو خلاف ذلك من منظمات. ثم أليس في هذا التوجه الجديد محاولة لتقليص حق الجمعية في اتخاذ القرارات المناسبة؟

8-  والسؤال المطروح فيما يتعلق بالمادة 51/2/ب: لماذا يجب أن تبقى المادة التي تنص على أنه لا تعتبر هيئة الإدارة كلها أو بعضها نافذا إلا بعد موافقة الوزير الخطية بعد الاسئناس برأي المحافظ أو المتصرف ؟ وما مبرر هذا الأمر في الفترة التي نتحدث فيها عن الديمقراطية والحرية؟.

9-  أما بالنسبة للمادة التي تخول الوزير أن يأمر بحل أية جمعية إذا خالفت نظامها الأساسي أو خالفت بوجه الإجمال أي حكم من أحكام القانون فإن، إطلاق هذا الحق يمنح الوزير حرية إصدار قرار الحل لأسباب قد لا تكون مبررة وينطبق ذلك على ما تم إضافته إذا ما تناقصت عضويتها عن ،52 أو خالفت نظام جمع التبرعات. فالمبدأ انه لا يحق للإدارة العامة حل الجمعيات ولا يمكن أن تخضع الجمعيات للحل إلا بقرار صادر عن هيئاتها العامة أو بحكم قضائي نهائي، وبعد أن تكون الجمعية قد استفادت من حق الدفاع في محاكمة علنية وعادلة في حالات يجب أن يحددها القانون صراحة وحصراً.


10-  إن قرار الحل يحتاج إلى لجنة تصفية خاصة محايدة وليس من المتعارف عليه أن يعين صاحب القرار ثلاثة موظفين من وزارته وإنما من الأشخاص الأكفياء والخبراء والاتحادات وبالتالي فإن الفقرة ذات العلاقة بحاجة إلى تعديل.

11-  لقد كان حرياً بمشروع التعديل أن يتطرق إلى:

أ- حق المؤسسين في الطعن بقرار الوزير في حالة رفض تسجيل الجمعية أو المؤسسة.

ب- أن تقوي من موقع الاتحادات في اتخاذ القرارات المتعلقة بتسجيل الجمعيات أو المؤسسات وان لا يبقى دورها هامشياً.

جـ- أن تتمتع الجمعيات الخاضعة لأحكام هذا القانون بالاعفاءات من الضرائب والرسوم وضريبة المبيعات على خدماتها والتعامل معها على أساس غير ربحي من حيث الخدمات التي تقدمها الدولة أو القطاع العام أو الخاص كأثمان المياه والكهرباء والهواتف بالإضافة إلى إعفاء العقارات المملوكة لها من جميع ضرائب المسقفات وضريبة المعارف وكذلك النص على إعفاء التبرعات المقدمة إلى الجمعيات من ضريبة الدخل الأمر الذي سيحسن ويشجع التبرع لهذه الجمعيات.

وأضاف الخطيب في نهاية الدراسة أن ما يجب التأكيد عليه ان الجمعيات بحاجة إلى قانون عصري يتيح لها حرية الحركة بشفافية ومساءلة تساعدها على تطوير عملها وتنمية اهتمام المواطن بالشأن العام وتفعيل طاقة أفرادها لقيامهم بالمهام التي تنادوا لها.

وليس هناك من شك أن هذه الجمعيات لا يمكن أن تؤدي هذه الأدوار إلا من خلال احترام مبدأ حرية الجمعيات التي نص عليها الدستور الأردني والمادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي والإعلان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والإعلان عن حق وواجب الجمعيات ومؤسسات المجتمع في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً وتفعيلها.

كل ذلك ينطلق من القناعة الأكيدة أن ذلك يتطلب وجود تشريعات وأطر وأساليب ديمقراطية واحترام فعلي لمبدأ سيادة القانون والذي يتوجب علينا جميعاً العمل لتحقيقه على المستوى الرسمي والشعبي.

 

   


 الصفحة الرئيسة لمركز الأردن للدراسات